ابراهيم بن عمر البقاعي
322
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
حقيقة سيئة - في أبهى الحقائق وأشرفها وألذها إلى النفس وأشهاها إلى الطبع ، فإن مادة « غر » و « رغ » تدور على الشرف والحسن ورفاهة العيش ، فالغرور إزالة ذلك . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 121 إلى 123 ] أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً ( 121 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً ( 122 ) لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 123 ) ولما أثبت لهم ذلك أنتج بلا شك قوله : أُولئِكَ أي البعداء من كل خير مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ أي تتجهمهم وتتقد عليهم بما اتخذوا من خلق منها وليا وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً * أي موضعا ما يميلون إليه شيئا من الميل . ولما ذكر ما للكافرين ترهيبا أتبعه ما لغيرهم ترغيبا فقال : وَالَّذِينَ آمَنُوا أي أقروا بالإيمان وَعَمِلُوا أي تصديقا لإقرارهم الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ أي بوعد لا خلف فيه جَنَّاتٍ تَجْرِي وقرب وبعض بقوله : مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي لرّي أرضها ، فحيث ما أجرى منها نهر جرى . ولما كان الانزعاج عن مطلق الوطن - ولو لحاجة تعرض - شديدا ، فكيف بهذا ! قال : خالِدِينَ فِيها ولما كان الخلود يطلق على مجرد المكث الطويل ، دل على أنه لا بإلى آخر بقوله : أَبَداً ثم أكد ذلك بأن الواقع يطابقه ، وهو يطابق الواقع فقال : وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا أي يطابقه الواقع ، لأنه الملك الأعظم وقد برز وعده بذلك ، ومن أحق من اللّه وعدا ، وأخبر به خبرا صادقا يطابق الواقع وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ أي المختص بصفات الكمال قِيلًا * وأكثر من التأكيد هنا لأنه في مقابلة وعد الشيطان ، ووعد الشيطان موافق للهوى الذي طبعت عليه النفوس فلا تنصرف عنه إلا بعسر شديد . ولما أخبر تعالى عما أعد لهم ولمن أضلهم من العقاب وعما أعد للمؤمنين من الثواب ، وكانوا يمنون أنفسهم الأماني الفارغة من أنه لا تبعة عليهم في التلاعب بالدين ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، ويشجعهم على ذلك أهل الكتاب ويدعون أنهم أبناء اللّه وأحباؤه ، لا يؤاخذهم بشيء ، ولا يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى أو من شفعوا فيه ، ونحو هذه التكاذيب مما يطمعون به من والاهم بأنهم ينجونه ، وكان المشركون يقولون : نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [ سبأ : 35 ] ، ونحو ذلك - كنا قال العاصي بن وائل لخباب بن الأرت وقد تقاضاه دينا كان له عليه : دعني إلى تلك الدار فأقضيك مما لي فيها ، فو اللّه لا تكون أنت وصاحبك فيها آثر عند اللّه مني